Hébergement Web offert par www.ADK-Media.com
[العربية] [Français] 

تأهيل مهنة المحاماة


    مما لا شك فيه أن مهنة المحاماة تتربع على عرش المهن القضائية المنظمة  والحديث عن أي إصلاح عميق وشامل لمنظومة العدالة لا بد وأن يمر عبر تأهيلها باستحضار الأعطاب والمعيقات التي تواجهها من جهة وتجارب دول رائدة من جهة أخرى .

    وأضحى هذا الرهان ذا طبيعة ملحة فرضها منطق العولمة ، إذ ان التخلف عن الركب والتقوقع على الذات يعني إفلاس هذا القطاع أمام الزحف الذي قد يأتي من مكاتب أجنبية منظمة .

    وإذا كان المغرب قد عرف خلال العقد الأخير دينامية على مستوى تشريع قانون مهنة المحاماة وبعض القوانين ذات العلاقة من حيث دعم حصانة الدفاع وتوسيع مجال تدخل المحامي خلال مرحلة البحث التمهيدي وتنظيم الشركات المدنية المهنية للمحامين واحتكار توثيق العقود المتعلقة بالحقوق العينية إلى جانب السادة الموثقين والعدول، فإن عملا دؤوبا ينتظر على عدة مستويات ويتطلب تضافر جهود الدولة وجمعية هيئات المحامين ومجالس هيئات المحامين على حد سواء .
                                            *********

    إن تركيز الاهتمام بالعنصر البشري ولوجا وتأطيرا وشراكة يعتبر المدخل الرئيسي لتأهيل مهنة المحاماة .

    يصل عدد المحامين المنتمين لجميع هيئات المحامين بالمغرب حوالي 11 ألف محامي أي بنسبة محام لكل 3300 نسمة وهي نسبة بعيدة عن النسب المسجلة ببعض الدول الأوربية .

  • اسبانيا : محام لكل 400 نسمة – إيطاليا : محام لكل 395 نسمة
  • ألمانيا  محام لكل 650 نسمة – انجلترا : محام لكل 550 نسمة
  • فرنسا : محام لكل  1300 نسمة .



    وهو ما يعني نظريا أن المحاماة بالمغرب بإمكانها أن تستقطب خمسة أضعاف العدد الحالي على الأقل ، وذلك بقطع النظر عن الفارق المسجل بخصوص معدل دخل الفرد في المغرب ومثيله بالدول المشار إليها واختلاف الواقع الاجتماعي والاقتصادي ، بحيث يبلغ متوسط دخل المحامين بفرنسا المصرح به لدى إدارة الضرائب 74189 أورو سنة 2002 وأعلى دخل مصرح به 4.648000 أورو ، و لا نتوفر في المغرب على احصائيات بهذا الخصوص، ونم هنا لا يمكن الحديث عن تأهيل مهنة المحاماة خارج النسق الاقتصادي و الاجتماعي للبلد و بمعزل عنه- اذ ان الامر يتعلق بتأهيل المجتمع ككل بجميع بنياته.

    وإذا كان هناك من رأي يقول بمقترح الاقتصار على أصحاب شواهد الماستر للمشاركة في امتحان الأهلية لمزاولة مهنة المحاماة ، فإن ذلك يبدو أقرب الى معالجة سطحية لا تمس جوهر الإشكال، إذ يجب تقييم السياسة        التعليمية برمتها و من تمظهراتها تدني كبير في مستوى الأفواج التي تتخرج من مختلف كليات الحقوق بالمغرب ..

    فوفقا لترتيب أعدته جامعة شنغهاي الصينية هذا العام حول أفضل 500 جامعة في العالم لم يرد ذكر أية جامعة مغربية، وحسب تصنيف ويبوستريكس
الاسباني فإن أول جامعة مغربية احتلت الرتبة 2324 عالميا هي جامعة القاضي عياض بمراكش ،وهو ما يؤشر أن الوضع التعليمي جد متدهور ولايبعث على الارتياح .

    ومن جانب آخر ينص الظهير الشريف المعدل لقانون المهنة الصادر سنة 1993 في مادته السادسة أن شهادة الأهلية تمنح من طرف معاهد جهوية تحدث  وتسير وفق شروط تحدد بمرسوم ،ومنذ ذلك الحين لم يصدر أي مرسوم ، والمشكل قائم حول تمويلها بين وزارة العدل وهيئات المحامين بالمغرب ، بينما في فرنسا مثلا تساهم الدولة في تمويل مراكز تكوين المحامين منذ صدور القانون المؤرخ في : 31/12/1971 مع وجود معاهد خاصة للتكوين .



    وفي دراسة ميدانية قامت بها لجنة من وزارة العدل الفرنسية أظهرت أنه من المرغوب فيه إيجاد صلة في تكوين المحامين الطلبة والمحلقين القضائيين بتمديد فترة تدريب المحامين بالمحاكم وفترة تدريب القضاة بمكاتب المحامين ،  مسجلة أن أجيال المحامين والقضاة الجدد لا يتعارفون فيما بينهم مما لا يسهل الحوار المطلوب بين المهنتين .
  إن هذه الرؤية ليست غائبة  في المغرب تماما، ففي حوار أجراه وزير العدل السابق المرحوم الطيب الناصري مع جريدة الصباح عدد : 4 أكتوبر 2011 أكد عزم الوزارة على بناء مركب جامعي للتكوين لن يخصص فقط للقضاة ولكن لجميع المهن المرتبطة به ( المحامون – المفوضون القضائيون – كتاب الضبط والموثقون ) وهو ما يعتبر تراجعا عن فكرة المعاهد الجهوية التي جاء بها ظهير 1993 . و لعل هذا التصور اذا ما  تبلور عمليا سيشكل طفرة نوعية ستنعكس ايجابا على  مستقبل المهنة.

    انه قد أضحى لازما اليوم وقبل أي وقت مضى اعتبار التمكن من اللغات الأجنبية والإلمام  بالجانب المعلوماتي من المعايير الأساسية التي يجب أن يخضع لها الممتحنون للحصول على الأهلية ، فالمحامي بوضعه الجديد وأمام زحف العولمة لم يعد ممارسا للمحاماة في دولته فقط في ظل إبرام المغرب لاتفاقيات ثنائية مع عدة دول تضمن حرية ممارسة المهنة داخل فضاء الدول الموقعة عليها .
                                   
*****

    إن تأهيل مهنة المحاماة مرتبط كذلك بدعم مهام المحامي التي يضطلع بها وفقا للقانون بتمكينه من حق الوصول إلى المعلومات، باطلاعه على المعطيات المتوفرة لدى الإدارات العمومية ، كإدارة الضرائب والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والمحافظة العقارية والإدارة العامة للأمن الوطني .

    إذ ان المطالبة بالحقوق أو الاستظهار بالدفوع القانونية رهين بإثباتها ووضع اليد على مؤيداتها فضلا عن أن تمثيل الأطراف ومؤازرتهم أمام الإدارات العمومية من غير الإدلاء بوكالة المنصوص عليه في المادة 29 من قانون المهنة هو مكسب كبير يقابل في كثير من الأحيان بنوع  من عدم التفهم ينم عن


جهل بالمقتضيات القانونية المذكورة أو بتعمد ضربها عرض الحائط بهدف التضييق على نشاط المحامي ومهامه .

    لذلك فالدولة مطالبة عبر جميع قطاعاتها العمل على ضمان ممارسة المحامي لمهامه بسلاسة ويسر  بتخصيص شبابيك خاصة به بمختلف الإدارات العمومية وتنبيه المسؤولين ورؤساء المصالح والأقسام بوجوب احترام مقتضيات المادة 29 من ق . م . والتقيد بها حرفيا و تقديم جميع التسهيلات للسادة المحامين .     

    وحتى تؤخذ الأمور بغير قليل من الجدية يجب على المشرع الجنائي أن يتدخل باقرار مادة تجرم كل فعل صادر عن أي كان يحد أو يصادر حق المحامي في ممارسة مهامه أو يضيق عليه، وبإلزام الإدارات بالجواب على مراسلات المحامين وطلباتهم الكتابية تحت طائلة الجزاء  القانوني المناسب .

    وتخفيفا على الأعباء المتزايدة على عمل القضاء يجب التفكير في جعل المحامي فاعلا أساسيا في مجال الآليات البديلة لحل النزاعات كالوساطة الاتفاقية والتحكيم .
                                     
*********

    وارتباطا بذلك ، فهيئات المحامين بالمغرب مطالبة بإلحاح بإعداد برنامج دائم للتكوين المستمر وتمويله وتحفيز المستفيدين منه باستضافة دورات تكوينية في مجال التجارة الدولية والوساطة والتحكيم، ومواكبة جميع المستجدات التشريعية والقضائية ،وإيفاد بعثات إلى بعض الدول الأوربية للاستفادة من تكوين تشرف عليه معاهد متخصصة بناء على تعاقد مسبق، وإخضاع كل محام لهذه الآلية وترتيب الجزاء على عدم احترامها مع التشديد على التكوين المعلوماتي .

    هناك حاجة ملحة للمحامين المغاربة وضرورة وطنية للإعداد لمواجهة أساليب العمل المهنية الدولية أمام مخاطر آثار الاتفاقية الدولية لعولمة الخدمات


المقرر دخولها حيز التنفيذ سنة 2015 ،وإكراهات اتفاقيات التبادل التجاري الحر، بتنظيم أنفسهم والالتئام في شركات مهنية والانفتاح على بعضهم البعض وتحقيق التعاون والتشارك فيما بينهم من خلال شركات ذات شخصية معنوية اعتبارية والتركيز على ثقافة المؤسسة ، ومن المؤكد أن هذا النظام  سيسمح      بظروف مريحة للعمل ماديا ومعنويا وبعصرنة تسيير المكاتب وسيغني عن التحملات الباهظة للعمل المنفرد سواء تعلق منها بالجانب المادي أو بجو
الاشتغال الذي سيصبح أكثر هدوءا وتركيزا وطمأنينة، بغض النظر عما سيجلبه التخصص من رفع الجودة والارتقاء بمستوى العدالة بالمغرب ، فنسبة المحامين
الملتئمين في شركات مهنية في فرنسا يشكل أكثر من 42 % وهو رقم منتقد هناك، إذ يطمح المحامون بفرنسا إلى تعميم هذا النموذج ، فلهم أيضا هواجسهم بينما نحن في المغرب بعيدون عن هذا الرقم بكثير، ومن المؤمل أن يجد المحامون المغاربة ضالتهم في القانون الجديد رقم 08-29 المنظم للشركات المدنية المهنية للمحاماة الصادر بتنفيذه ظهير20 أكتوبر 2008 .

    إن جسامة المسؤولية الملقاة على عاتق مجالس هيئات المحامين بحكم عدد المحامين الجدد الوافدين وتطويقها بمهام ذات طبيعة إدارية أهمها تدبير حساب ودائع وأداءات المحامين المنصوص عليه في المادة 57 من قانون المحاماة تتطلب تخصيص منحة مالية محددة قانونا للنقباء وأعضاء مجالس الهيئات تعويضا عن المجهودات والمهام التي يضطلعون بها ، و مجالس هيئات المحامين بالمغرب مدعوة  للانكباب على مراجعة أنظمتها الداخلية للمساعدة على انفتاح المهنة على محيطها  و ذلك بتجاوز بعض الاعراف و التقاليد التي أضحت عبئا على الممارسين  و تعديل بعضها الآخر في صياغة واقعية منفتحة و ابتكار قواعد جيدة لمدونة سلوك ملزمة للجميع و قابلة للتطبيق على أرض الواقع – فكيف يعقل أن نصبو الى شركات مدنية دون تمكينها من وسائل الدعاية للجمهور- في الوقت الذي تتمتع فيه مكاتب محاماة أجنبية بهذا الامتياز
و كيف يقيد حق المحامي في التوفر على موقع الكتروني للدعاية و السماح له في ما دون ذلك بشرط الحصول على اذن النقيب -؟ و  كيف يعقل أن تؤطر مسألة تواصل المحامي مع موكله و شروط استقباله له ضمن  قواعد بدائية أكل


                                       
عليها الزمن و شرب في حين يمكن في بعض الدول الاروبية و الولايات المتحدة تكليف محام  و مده بمؤيدات الدعوى عبر الانترنت و التخابر معه عبر البريد الالكتروني  و تسوية أتعابه بالبطاقة البنكية عبر موقعه الالكتروني- و أضحت خدمة الدفاع أو المحامي كخدمة التغطية الصحية يمكن لأي كان أن يستفيد منها مقابل عرض جزافي سنوي يشكل شكلا آخر من أشكال الاتعاب لا علاقة له بالمجهود المبذول.
                             
*********************

    إن مهنة المحاماة لا يمكن النظر إليها منعزلة عن السلطة القضائية لأنها مكون أساسي للعدالة في الدول المتقدمة ، فلا محاكمة بدون دفاع ولا عدالة بدون محاكمة ، فاستقلال السلطة القضائية دعامة أساسية لعمل المحامي ومظهر أساسي للأمن القضائي ويصعب عمليا تأهيلها خارج منظومة الإصلاح القضائي ككل ، فالدولة والمجالس المهنية المنتخبة مطالبون باتخاذ تدابير حقيقية للنهوض بمهنة المحاماة في المغرب وبسن معالجة عميقة لمشاكلها وللإكراهات
الذاتية والموضوعية التي تجعلها متخلفة عن الركب .       

جميع الحقوق محفوظة  © 2009-Avocats de nador  زوار الموقع
Click here to subscribe to this RSS feed